علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

11

البصائر والذخائر

تبذير . فانج بنفسك إلى اللّه الذي يحرسك وأنت حالم ، ويستأنيك وأنت ظالم ، ويدعوك إلى حظّك وأنت شامس « 1 » ، ويعطفك على مصلحتك وأنت حائس ، ويلطف بك وأنت عائف ، ويؤمّنك وأنت خائف ، ويهديك وقد ضللت ، وينعشك وقد زللت ، ويقوّيك وقد كللت ، وينشّطك وقد مللت ، أفيجحد من هذا إحسانه ، أم يجفى من هذا نظره ، أم يهرب عمّن هذا عطاؤه ، أم يستزاد من هذا ابتداؤه ، أم تعشق الدّنيا جهلا بمن هذا معروفة ؟ لا واللّه ، ولكن لجّ بهذا الإنسان طغيانه ، وأرخي في يديه عنانه ، فجرى طلق الجموح ، ثم أنّ أنين المجروح ، حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا . فخذ أيّها السامع حذرك ، واعلم أنّ ربّك بالمرصاد ، وأنت منه على ميعاد ، واعلم أنّ أخذه أليم شديد ، وإنّما يملي لك لتزداد إثما ، ويستدرجك من حيث لا تعلم . وإذا ولج هذا الكلام سمعك ، ووقر في صدرك ، وتغلغل في فؤادك ، وبلغ حاشية روحك ، فاندب نفسك ، وابك أيامك ، وتلهّف على ماضي عمرك ، وكفكف عبرات عينك ، وأخل بشجوك وأشجانك ، وابك على تفريطك ، فإذا قضيت من ذلك كلّه وطرك ، فعسى اللّه أن يراك فيعذرك . ثمّ ابدأ قبل كلّ دقيقة وجليلة بطيّ الأمل وتقصيره ، واقمع غربه بحلول الأجل وتكديره ، واعلم أنك متى ظفرت من أملك بالقصور ، انتظم أمرك ، ورجي خيرك ، وكان اللّه كافلك وناصرك ؛ ثم ثنّ تقصير الأمل ببغض الدّنيا ، ومقت ما زيّنها في عينك ، وحلّاها في نفسك ، وخبل « 2 » عليها سلطان عقلك ، وغضّ دونها طرف يقينك ؛ ثم ثلّث بهجران المتشاغلين عن مهمّك ، والمزيّنين لشهوتك ، والمتناولين في مرادك ، فإن الناس لم يؤتوا في دنياهم إلّا من الناس ، إنّ الناس شرّ من الأفاعي والجرّارات والعقارب والسّباع . ومتى أحببت أن تعرف

--> ( 1 ) م : آيس . ( 2 ) م : وغلب .